محمود أبو رية
242
شيخ المضيرة أبو هريرة
فيجد من عون السلطان وغفلة الزمان ، ما ينال به ، ما لم يكن يحلم به ! وليته كان كريما مع هذه السيدة الجليلة التي عثر بها جدها ، فوقعت مضطرة فريسة - وهي العربية الأبية - بين يديه ، فيذكر سالف برها به وسابق إكرامها إياه ، ويحفظ أياديها الكثيرة عليه أيام فقره وفاقته ، أيام كان يمشى على الأرض بلا نعلين ، كما تهكم به عمر عندما عزله عن البحرين ! ولكنه قد عاملها معاملة قاسية شديدة تتفق مع طبيعته وأصله . وهاك صورة قاتمة يبدو منها كفره بنعمتها ، وسوء معاملته لها ، وإهانته إياها ، مما لا يصدر مثله عن رجل كريم ، أو زوج نبيل . أشره وبطره لما بلغ ما كان يعد مستحيلا لمثله ، وتزوج من هذه الأميرة العظيمة ، لم يعرف قدر ما سبق من نعم غمرته بها من قبل ، ولم يقدرها قدرها ، فقد استخفه أشره ، ونم عليه أصله وطبعه ، فخرج عن حدود الأدب والوقار للتي قضى عليها سوء حظها ، ونحس طالعها ، بأن تتزوج من خادمها ! فكان يفتخر بعد هذا الزواج الذي كان نكبة على هذه الأميرة ويقول : إني كنت أجيرا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني ، فكنت إذا ركبوا سقت بهم ، وإذا نزلوا خدمتهم . وفى رواية الأثرم وابن ماجة ، كنت أجيرا لابنة غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي ، أحطب لهم إذا نزلوا ، وأحدو بهم إذا ركبوا ، والآن تزوجتها ، فأنا الآن أركب فإذا نزلت خدمتني . ويقول : وكانت إذا أتت على مكان سهل نزلت فقالت : لا أريم حتى تجعل لي عصيدة ! فهأنذا إذا أتيت على نحو من مكانها قلت لها : لا أريم حتى تجعلي لي عصيدة . ومما أخرجه ابن سعد عن محمد عن أبي هريرة أنه قال : كنت أجير ابن عفان وابنة غزوان ، بطعام بطني وعقبة رجلي ، أسوق بهم إذا ركبوا ( 1 ) ، وأخدمهم إذا نزلوا ، فقالت لي يوما لتردنه حافيا ، ولتركبنه قائما ، فزوجنيها الله بعد ،
--> ( 1 ) تقدم النص من قبل .